رأي قانوني في الدستور العراقي

رياض الزهيري
باحث عراقي وأستاذ القانون العام – لندن

لقد كتب العديد من الباحثين بشأن الدستور العراقي الجديد وكانت اغلب الآراء التي تناولت هذا الموضوع انطلقت من تحليل سياسي لنصوص هذا المشروع. لذلك رأينا من الأفضل أن نقيم هذا الدستور من خلال النص ذاته وتحليله من زاوية قانونية بشكل يكمل رأي هؤلاء الباحثين. من المفيد الإشارة إلى أن أهم أعمدة أية دولة ديمقراطية هو وجود دستور دائم يرتكز على الأسس والمبادئ التالية:
أولا- مبدأ الفصل بين السلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية.
ثانيا- مبدأ التداول السلمي للسلطة واعتماد مبدأ الانتخاب في هذا الجانب.
ثالثا- مبدأ استقلالية القضاء ومراقبة دستورية القوانين.
رابعا- مبدأ المساواة بين المواطنين واحترام حقوق وحريات الإنسان في جميع المجالات.
بناءً على ذلك فأن تقييم الدستور يتطلب فحص جميع النصوص للتحقق من وجود هذه المبادئ من عدمها. ونعتقد أن السبيل لذلك يتأتى عبر متابعة تسلسل أبواب الدستور ذاته.

الباب الأول
وضع هذا الباب المبادئ الأساسية للدستور حيث حدد شكل ونظام الحكم في العراق باعتباره نظام حكم جمهوري نيابي ديمقراطي اتحادي. كما نص على إن الإسلام دين الدولة الرسمي وهو مصدر أساس للتشريع (م 2 أولا).كما نصت الفقرة (أ) على انه ( لايجوز سن قانون يتعارض مع ثوابت أحكام الإسلام ). إن هذا النص يراد منه تسييس الدين كما يراد له ربط جميع تصرفات الدولة بأحكام الإسلام وهو مايمكن إن يكون واضحا من قراءة نص الفقرة أعلاه. مع ذلك فأن وجود مثل هذه النصوص سوف لن يكون له أثرا دستوريا مادام الإسلام هو (( مصدر أساس للتشريع )) وليس هو المصدر الوحيد من جهة وأن النص قال بأن الإسلام مصدر أساس للتشريع ولم يقل أن الشريعة الإسلامية أو الفقه الإسلامي هو هذا المصدر أو الأساس لان الإسلام هو دين للناس وليس احكاماً قانونيةً تحكم تصرفات الدولة القانونية علاوة على أن نص الفقرة (أ) بأ لا يسمح بتعارض التشريع مع (( ثوابت أحكام الإسلام )) سيكون تطبيقه مستحيلا إذا ما علمنا انه لا يوجد أي إجماع فقهي على مثل هذه الثوابت ليس في باب المعاملات فحسب وإنما في مجال العبادات كذلك .
يضاف إلى ذلك أن الفقه الإسلامي يجمع على أنه لا توجد نظرية قانونية عامة أو مبدأ عام يحكم المعاملات في الإسلام وإنما هنالك أحكام جزئية أو فردية لا ترقى إلى مستوى المبدأ أو النظرية العامة التي يستمد منها التشريع الوضعي أحكامه. لكن ذلك لا يمنع عند تشريع أو تطبيق القانون الوضعي أن يرجع المشرع او القاضي إلى الحكمة من الإسلام في هذا المجال.
(الفقرات ب وج، إذا كان الإسلام مصدراً أساسياً للتشريع فإنه يجب أن لا يسن أي قانون يتعارض مع المبادئ الديمقراطية كما لا يجوز أن يتعارض مع الحقوق والحريات الأساسية الواردة في الدستور العراقي.(الفقرات ب –ج ). لذلك نرى أن مشروع الدستور قد نص على حق الطعن بدستورية القانون إذا ما تعارض مع هذه المبادئ والحقوق والحريات.(م13)
لأول مرة في تاريخ العراق يعترف دستوريا بأن العراق بلد متعدد القوميات والأديان والمذاهب ويعكس التنوع والتمايز في هذا المجال وهو ما يعكس الواقع الاجتماعي في العراق. وكان بودنا أن يستكمل هذا النص (م3) بأن يرد فيه إن الجميع متساوون في الحقوق والواجبات بدلا من النص على إن العراق جزء من العالم الإسلامي ومؤسس للجامعة العربية لان الأمر الأول يؤكد مبدأ المواطنة العراقية بينما النص الحالي يربط العراق بمحيطه الخارجي وهو ما يمكن إن يكون برنامجا سياسيا أو جزءا من برنامج الحكومة المنتخبة ولا يصح أن يكون نصا دستوريا ليس له من أثر دستوري أو قانوني وإن كان له أثر سياسي.
نصت المادة (6) بوضوح على مبدأ أساسي هو مبدأ التداول السلمي للسلطة بعد أن سبقتها المادة الخامسة التي أكدت على أن السيادة للقانون وأن الشعب هو مصدر السلطات وشرعيتها. ولضمان تطبيق هذا المبدأ نص الدستور على حظر تلك الأحزاب والقوى التي ترفض التعامل بموجب هذا المبدأ (م7) كما نص على حياد القوات المسلحة والأجهزة الأمنية والأجهزة القضائية (م9) والزامهما بعدم التدخل في الشأن السياسي والممارسة السياسية وتم حظر الميليشيات العسكرية، كل ذلك يمكن أن نعتبره أهم الضمانات اللازمة لتطبيق مبدأ التداول السلمي للسلطة .

الباب الثاني
ينظم هذا الباب حقوق وحريات المواطن العراقي وقد وضع المشرع الدستوري مبدأ عاما في هذا المجال نصت علية المادة (14) منه حيث قالت (( العراقيون متساوون أمام القانون دون تمييز) لأي سبب كان.
لقد نص هذا الباب على اغلب الحقوق والحريات المدنية التي وردت في المعاهدات والاتفاقيات الدولية على الرغم من الغاء المادة (44) التي نصت عليها المسودة السابقة والتي أكدت على الالتزام بتطبيق هذه الاتفاقيات والمعاهدات والتي يمكن اعتبارها ضمانا لهذه الحقوق والحريات علما إن جميع اطراف المعارضة العراقية سابقا وبدون استثناء كانت تنادي بمثل هذا الأمر بل إن بعضها كان يطالب بأن تكون جزءا من الدستور العراقي أو أسمى منه. لذلك لانجد تبريرا مقبولا لهذا الإلغاء. كما لانجد تبريرا لعدم وجود نص خاص بمساواة المرأة والرجل في هذا مشروع الدستور هذا خاصة بعد ان نصت المادة (20) على هذه المساواة في المجال السياسي وهي خطوة متقدمة.
كما اشتمل المشروع الدستوري كذلك الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتعليم وحرية تأسيس النقابات والاتحادات المهنية وغيرها.
إن من مزايا هذا الدستور – في مجال الحريات العامة - انه أورد العديد من الفقرات في المواد (35-36-37-38) تعتبر ضمانات أساسية في هذا المجال ولم يضع قيدا على ممارسة هذه الحريات. اما ماورد في المادة (36) فأن النص أشار الى ان الدولة تكفل بما لايخل بالنظام العام والاداب حرية التعبير والصحافة والاعلام والنشر والاجتماع والتظاهر السلمي وتنظم بقانون . ونعتقد ان مثل هذا القيد (( النظام العام والاداب )) موجود في اغلب دساتير العالم ويتوقف تفسيره على اجتهاد القضاء الذي يجب ان يلتزم بمبدأ عام هو ان السلطة التشريعية لايجوز لها ان تضع قيدا على حرية المواطن من شأنه أن يؤثر على جوهر الحق أو الحرية وهو مانصت عليه المادة (44) بصياغتها الجديدة .
اما المادة (39) فهي جعلت اختيار المواطن للدين والمذهب والمعتقد في مجال الأحوال الشخصية حرية شخصية يمكن له إن يمارسها كما يمكن له عدم الالتزام بها فالنص يقول (( العراقيون أحرار في الالتزام بأحوالهم الشخصية حسب ديانتهم أو مذاهبهم أو معتقداتهم أو اختياراتهم وينظم ذلك بقانون )). يفهم من هذا النص انه لايوجد أي التزام بأي دين او مذهب محدد في هذا المجال اذا ما اختار العراقي قانون الاحوال الشخصية المدني خاصة وان المادة (40) قد نصت بوضوح على ان لكل فرد حرية الفكر والضمير والعقيدة .

الباب الثالث
نص هذا الباب على مبدأ اساسي هو مبدأ الفصل بين السلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية وبذلك يكون هذا المشروع قد تخلص من مبدأ وحدة السلطة ذات الوظائف الثلاث الذي كرس الاستبداد السياسي. وقد عالج في كل فصل منه إحدى هذه السلطات واختصاصاتها وطرق تشكيلها وحلها الخ.
ففي مجال السلطة التشريعية نص الدستور على تأليف مجلسين هما مجلس النواب ومجلس الاتحاد ويبدو ان المجلس الاخير هو مجرد فكرة دستورية مؤجلة بحسب الاحكام الختامية للدستور . لانريد هنا ان ندخل في اجراءات تشكيل مجلس النواب وطرق اختياره غير ان هذا المجلس يستند في تكوينه على مبدأ الانتخاب بطريقة الاقتراع السري والمباشر و((يراعى تمثيل سائر مكونات الشعب فيه)) وهنا نتسائل كيف يمكن مراعاة هذا التمثيل لجميع المكونات اذا كان الانتخاب هو اساس الاختيار. يبدو ان قانون الانتخابات هو الذي سيتدخل في حل هذه المعضلة . لم يشترط الدستور ان يكون العضو في المجلس عراقيا بالولادة وانما اكتفى ان يكون عراقيا كاملا الاهلية كما نص على ضرورة تمثيل النساء بمالايقل عن الربع من اعضاء مجلس النواب.
تتلخص اختصاصات المجلس في : التشريع –رقابة اداء واعمال السلطة التنفيذية – انتخاب رئيس الجمهورية ----الخ(/58)
اما السلطة التنفيذية فهي تتألف من رئيس الجمهورية ومجلس الوزراء (م63) وتتلخص اختصاصات رئيس الجمهورية بتمثيله لسيادة البلاد وضمان الالتزام بالدستور والمحافظة على استقلال العراق ووحدته وسلامة أراضيه طبقا للدستور. وفي هذا المجال نؤكد عكس ما قاله البعض من إن الدستور لم ينص على استقلال العراق ووحدة أراضيه بل إن هذا الدستور يعتبر المحافظة على استقلالية العراق ووحدة أراضيه جزءاً من التزامات رئيس الجمهورية ويعتبر الإخلال بهذا الالتزام خيانة عظمى وسببا لعزل الرئيس طبقا لأحكام المادة (57) من الدستور.
لقد منح الدستور جملة من الاختصاصات إلى الرئيس تجعله مسؤؤلا فاعلا في الحكومة وليس حاملاً لمنصب تشريفي فقط اذ يمكن له اصدار العفو والمصادقة على المعاهدات والاتفاقيات الدولية والمصادقة على القوانين التي يصدرها مجلس النواب كما له حق اصدار المراسيم الجمهورية وفي هذا المجال لم يحدد الدستور طبيعة هذه المراسيم من الناحية القانونية كما لم يحدد قوتها القانونية اضافة الى عدم تحديده المجالات التي يجب ان تنظمها هذه المراسيم. ان هذا الغموض قد يؤدي الى سلب اختصاص السلطة التشريعية .
اما رئيس مجلس الوزراء فهو المسؤؤل التنفيذي للسياسة العامة للدولة والقائد العام للقوات المسلحة كما حدد الدستور اختصاصاته والمسئولية التضامنية والشخصية لرئيس الوزراء والوزراء امام مجلس النواب.
لقد اهتم الدستور بالسلطة القضائية ولاول مرة في العراق يعترف بالسلطة القضائية كسلطة ثالثة مستقلة تقف على قدم المساواة الدستوربة مع السلطتين التشريعية والتنفيذية. تتألف هذه السلطة من:
- المجلس القضائي الاعلى الذي يعتبر بمثابة الهيئة الادارية التي تدير شؤؤن القضاء وهو الذي يضع ميزانية السلطة القضائية الاتحادية
- المحكمة الاتحادية العليا :- وهي هيئة قضائية مستقلة ماليا واداريا حسب نص المادة (89) وهو امر يثير الاستغراب حيث انها مستقلة اداريا عن المجلس الاعلى القضائي كما ان ماليتها مستقلة عن هذا المجلس وهي تتألف من عدد من الاعضاء لم يحدده الدستور وينص المشروع على ان هذه المحكمة تتألف من اعضاء قضاة وخبراء في الفقه الاسلامي وخبراء في القانون.
( النص السابق يقول خبراء في الشريعة الاسلامية ) ان هذا الوضع يخالف ماورد في المادة 86 التي نصت بوضوح على ان السلطة القضائية تتألف من (( مجلس القضاء الاعلى والمحكمة الاتحادية العليا ومحكمة التمييز –الخ )) فكيف يمكن ان تكون جزءا من السلطة القضائية وفي ذات الوقت تتمتع بأستقلال مالي واداري ؟؟
اما الاختصاصات التي تتمتع بها هذه المحكمة فهي :
- الرقابة على دستورية القوانين والانظمة النافذة
- فهي تمارس رقابة لاحقة على دستورية القوانين وهو ما يعني أنها محكمة دستورية. ولكن إذا دققنا في النص نجد أنها تمارس رقابة على الأنظمة النافذة ونحن نعرف إن النظام هو عمل إداري صادر عن السلطة التنفيذية ويصدر بناء على قانون الأمر الذي يفيد إن اختصاص هذه المحكمة يمتد إلى رقابة العمل الإداري ومن ثم هي أيضا قضاء إداري إلى جانب كونها قضاءاً دستورياً ويبدو إن هناك اتجاها لهيمنة هذه المحكمه من خلال ماورد في المادة (90) حيث لايتوقف هذا الاختصاص على ماذكر أعلاه وإنما يمتد إلى مراقبة كل ما ينشأ عن (( تطبيق القوانين الاتحادية والقرارات والأنظمة والتعليمات والإجراءات الصادرة عن السلطة الاتحادية --))
- ان ذلك يؤكد الاختصاص المزدوج لهذه المحكمة وهناك اتجاه لتضخيم هذا الاختصاص وهو ماتؤكده الفقرات (4-5-6-7-8) وعلى الرغم من ذلك لم يجعل الدستور المنازعات بين السلطات الثلاث من اختصاص هذه المحكمة.
إن مد اختصاص هذه المحكمة لكي تكون محكمة قضاء إداري يؤكده ماورد في المادة (98) التي اجازت ولم توجب انشاء مجلساً للدولة يختص بوظائف القضاء الاداري وهو اتجاه قد يشكل خطورة في المستقبل اذا ماعلمنا بأن هذا الاتجاه يستهدف توسيع صلاحية القضاء إلى الحد الذي يمكن القاضي من التحرر من سلطة القانون ويعطيه دورا اكبر من القانون أو يزوده بسلطات واسعة تجعل من عمله القضائي محور القانون وتطوره اللاحق الأمر الذي قد يؤدي إلى استبدال العلاقة المتبادلة بين القانون والقضاء إلى علاقة متنافرة تقوم على الاختيار بين القانون أو القضاء على تفصيل من الأمر.
إن من حسنات الدستورهو تحريمه إنشاء محاكم خاصة أو استثنائية كتلك التي عرفتها الأنظمة السابقة كما منع الجمع بين الوظيفة القضائية والوظائف الأخرى وحرم على القاضي الانتماء الحزبي والممارسة السياسية. يضاف الى ذلك ان المادة (97) من المشروع حظرت تحصين أي عمل اداري من الطعن فيه أمام القضاء وهو مايؤكد رفض نظرية أعمال السيادة التي عرفها القضاء الاداري الفرنسي والمصري.

الباب الرابع
أختصاصات السلطات المحلية
نصت المادة (106) على أن السلطات الاتحادية تلتزم بالمحافظة على وحدة العراق وسلامته واستقلاله وسيادته ونظامه الديمقراطي الاتحادي ثم تولت المادة (107) تحديد الاختصاصات الحصرية للحكومة المركزية ووضعت المادة (111) معيارا للتمييز بين أختصاصات المركز والاقليم يتمثل بمايلي :
-1 إن جميع الاختصاصات التي لم ينص عليها في الاختصاص الحصري تعود الى اختصاص الاقاليم او المحافظات التي لم تنتظم في اقليم .
-2 ان كل مايستجد من اختصاص في المجال المحلي يعود الاختصاص فيه الى سلطة الاقليم او المحافظة
-3 اذا حصل خلاف حول الاختصاصات المشتركة بين المركز والإقليم فأن الاختصاص المختلف عليه يفسر لصالح سلطة الإقليم أو المحافظة. وإذا وصل الخلاف إلى حالة التنازع في الاختصاص بينهما فأن الدستور نص على حل التنازع من قبل المحكمة الاتحادية العليا.

الباب الخامس
سلطات الاقاليم
يقر هذا الباب بشكل حتمي بالفيدرالية الى اقليم كردستان واحال الى القانون الذي يجب أن يصدر خلال ستة أشهر من تاريخ أول جلسة لمجلس النواب يحدد أجراءات تكوين الاقاليم حيث أعطت المادة (115) الحق لكل محافظة أو أكثر بتكوين أقليم وحددت اجراءات ذلك . وسيكون للاقليم دستور محلي يحدد شؤؤن وسلطات واختصاصات الاقليم بمالايتعارض مع الدستور العراقي.
غير ان الفقرة ثانيا من المادة (117) تثير الإرباك وهي غير واضحة حيث تنص على أنه يحق لسلطة الإقليم تعديل (( تطبيق القانون الاتحادي في الإقليم في حالة وجود تناقض أو تعارض بين القانون الاتحادي وقانون الإقليم بخصوص مسألة لاتدخل في الاختصاصات الحصرية للسلطات الاتحادية )) وفي هذا المجال نشير الى مايلي :
-1 أن النص يشير إلى حق الإقليم في تعديل (( تطبيق )) القانون الاتحادي وليس تعديل القانون ذاته. ونحن نعرف أن تطبيق القانون يتم بموجب عمل قانوني أقل درجة من القانون ويجب ان يتطابق مع القانون والا يجوز الطعن بهذا العمل امام القضاء لعدم المشروعية.
-2 في حالة وجود تناقض او تعارض بين القانون المركزي وقانون الاقليم فأن المنطق القانوني يؤكد على تعديل القانون المحلي بما لايتعارض مع القانون المركزي.
-3 اذا كان هذا التناقض او التعارض بخصوص مسألة لاتدخل في الاختصاص الحصري للمركز فأن الدستور نص بوضوح على اختصاص الاقليم في هذه المسألة .
بناءً على ذلك نتساءل عن ضرورة مثل هذا النص والاهداف التي تكمن وراءه ونعتقد أن هذا النص سيؤدي الى تعقيدات كثيرة في العلاقات القانونية بين المركز والاقليم . بل يزداد الامر تعقيدا بموجب المادة (118) التي نصت على مبدأ اللامركزية الادارية التي تتمتع بها المحافظات حيث نصت فقرتها الخامسة على ان مجلس المحافظة لايخضع الى أية رقابة من (( أية وزارة )) أو (( أية جهة غير مرتبطة بوزارة )) وهو أمر يعني عدم خضوع المحافظة ومجلسها ومسؤوليها الى كل أجهزة الرقابة المرتبطة بمجلس النواب أو الوزارات . لذلك نتساءل هل أن مبدأ اللامركزية الإدارية ينفي الرقابة الإدارية والمالية. وإذا كانت الفيدرالية تسمح بالرقابة المركزية فكيف نزيل الرقابة على مجلس المحافظات واذا كنا نقبل بإلغاء الوصاية الإدارية التي قررها قانون المحافظات السابق فلماذا نلغي الرقابة المالية والإدارية على مجالس المحافظات. أن مثل هذا النص يشكل خطورة بالغة وهو يحرم المواطن العراقي من المشاركة في مراقبة أعمال مجالس المحافظات كما يطلق العنان للفساد الاداري بل يمكن اعتباره تخريجاً قانونياً لهذا الفساد، لذلك يصبح الطلب بإلغاء هذا النص من القضايا الأساسية.
على العموم يمكن ان نقول كخلاصة ان الدستور تبنى أهم المبادئ الاساسية للدولة الديمقراطية واذا كانت لدينا تحفظات في مجموعة من التفاصيل فأن ذلك لايلغي ضرورة الاستمرار في العملية السياسية السلمية المتواصلة لتغيير تلك البنود وتعديلها في السنوات القادمة وفي ظل ظروف سياسية طبيعية ومستقرة بالشكل الذي يؤسس دولة القانون ويعلي من مبدأ سيادة القانون وهو أملنا في نضال القوى الليبرالية والقومية واليسارية العراقية التي يجب عليها ان تتحالف في ضوء ميثاق وطني يعبر عن طموحات الشعب العراقي وأهدافه الآنية والمستقبلية .