العراقيون يكتبون التاريخ من جديد

عدنان أبو زيد
كاتب عراقي

اتسمت عملية كتابة الدستور العراقي بوصفها تجربة لها ابعاد خاصة في العالم العربي على وجه الخصوص، وجاءت أهميتها من الاحساس الذي رافق المواطن العراقي من أن صوته له قيمة .. حتى ولو امتنع عن التصويت، بعد ان امتلك هذا المواطن الوعي ان الدستور الجديد سيوفر له انتخابات بنزاهة وشفافية، وهو أمر مهم لكي يعي الجميع بأن التغيير عن طريق الصندوق الانتخابي ينبغي أن يكون الممكن الوحيد.
وليس ثمة شك في ان ما يحدث الآن في العراق يعني ان قوى الاعتدال والتعددية تحقق انتصارات وان بدت بطيئة، لكنها عظيمة في خضم معركة لم تنته بعد وربما ستطول بعض الوقت، وتشترك فيها اطراف عديدة بضمنها الحكومة العراقية المنتخبة ديمقراطيا والولايات المتحدة حيث وجدا نفسيهما امام عدو يتربص بهما، هذا العدو هو الارهاب الذي يحاول بسط سيطرته الكاملة والمطلقة.
الشارع السياسي العراقي يتحرك اليوم بجدية اكبر ويجتذب أجيالا جديدة لم تمارس السياسة من قبل، وهي اجيال تنظر الى ان التغيير يمكن ان يتم بسهولة ويسر، بينما ينظر المخضرمون الى ان الصراع من أجل الديمقراطية لن يكون سهلا، لكن المهم أن قطار التغيير الديموقراطي بدأ وأنه سيستمر في طريقه، وأن أي محاولة لإيقافه ستفشل حتما.
يقول رايموند ستوك، وهو أميركي كتب وترجم سيرة نجيب محفوظ ويقيم منذ زمن طويل في القاهرة وله وجهة نظر خاصة حول الصراع في الشرق الأوسط إن الدستور العراقي يطلق رصاصة الرحمة في رأس التطرف، ذلك أن المتطرفين يدركون تماما أن وصول الديمقراطية إلى العراق لا يعني سوى نهاية الزرقاوي ومن هم على شاكلته، لأنها ببساطة ثقافة الحياة بينما يحمل المتطرفون ثقافة الانتحار، التي ستفضي بهم إلى الموت الذي هو هدفهم في النهاية.
ويشير ستوك إلى أن نهاية التطرف اقرب مما نتصور ويدعم قوله بغلاف لمجلة (روز اليوسف) المصرية تظهر فيه مغنيتان عربيتان و تحتهما عنوان رئيسي ( أقوى من التطرف).
ويعتير السيد ستوك أن وضع الدستور العراقي يمثل صدمة كبرى للقوى التي تسمي نفسها المتطرفة و الدكتاتورية في العالمين العربي والإسلامي.
ورغم كل الظروف والاعتراضات التي رافقت كتابة الدستور ثم التصويت عليه، إلا أن تداعيات ذلك ستكون بسيطة في طريق عمل عظيم تشترك في صياغته قطاعات كثيرة، وكانت الأمنية أن تتفق قوى الجذب الرئيسة على هذا البرنامج المصيري الذي يقصر المسافات إلى الديمقراطية الحقيقية، إلا أن الأمر لم يحسم بعد ليظل الشارع السياسي العراقي يترقب موعدا آخر سيدخل التاريخ العراقي من أوسع أبوابه.
لقد مثل الاستفتاء على الدستور، الذي شارك فيه العراقيون، انقلابا حقيقيا في الأفكار والمعتقدات من شأنه أن يفتح أبوابا كانت مغلقة، ويعيد الاعتبار لصوت الإنسان ويسلط الأضواء عليه وهو الذي ضحى وصبر عقودا من الزمن وعلى السياسيين أن يدركوا ذلك وأن يقدموا التنازلات المشتركة لأجل أن يختصروا مرارة السنوات الصعبة، مسرعين الخطى لكي يذوق العراقي حلاوة انتصاره.
وما يشير إليه ستوك أيضا أن ثقافة المبايعة ستختفي من الآن بعد نجاح التجربة العراقية، وأن بقايا العقلية الرسمية العربية التقليدية في طريقها للاندثار بعد أن فقدت مبرات وجودها، وأن الجدل السياسي في العراق اليوم أعطى فرصة لتصحيح مفاهيم كثيرة لم تعد تصلح في ظل التطورات التي نشهدها ونحن نخوض معركة الإصلاح ونبني نموذجاً لديموقراطية حقيقية تستلهم أعظم ما في تراثنا من قيمة الحرية والعدل وإعلاء قيمة الإنسان.
وفي الحقيقة ( والكلام لستروك ) أن العراق نجح في التحدي بالرغم من أن الوضع الذي عاشه لم يكن وضعا طبيعيا مماثلا لما تعرفه المجتمعات الديمقراطية الحرة، فما تم إنجازه كان في ظل قانون عرفي سهر عليه 300 ألف من قوات الأمن لكن الوفاق الوطني في وضع الدستور وإقامة الدولة التوافقية الحرة، أثبت أن العراقيين يمتلكون ثقافة (وطنية) تترسخ تحليلاتها الإيجابية بمرور الزمن.
وتجربة السنوات الثلاث الماضية أوضحت ثقة الشعب بنفسه وبقدرته في التأثير على النظام السياسي وسياسات وقرارات الحكومة. وأن هناك ثقافة سياسية بدأت تنشأ في العراق وهي تنتشر بسهولة في العراق برغم محاولات القوى المحافطة الحد منها.
العراقيون اليوم يمتلكون الفرصة في أن يتمركزوا حول انفسهم وليس حول شخص الرئيس كما حدث منذ نشأة الدولة الحديثة في العراق وأن نجاح الدستور هو فرصة لترجمة مبدأ سيادة الأمة العراقية فعلياً ودستورياً.