يوما بعد آخر، تتضح ملامح العراق الجديد، لتتوج بتقدم العملية السياسية إلى
الأمام، فقد تمت الموافقة على الدستور الجديد في الخامس عشر من أكتوبر/تشرين الأول،
والذي كانت الجمعية الوطنية قد اعتمدته، بعد أن تم الاتفاق على صيغته النهائية
من قبل اللجنة المسؤولة عن تدوينه، اثر توافق الكيانات السياسية وممثلي مختلف
شرائح المجتمع العراقي عليها.
فلأول مرة في تاريخ العراق الحديث، يكتب العراقيون مسودة دستورهم بأيديهم، ومن
قبل ممثلين منتخبين وغير معينين، ليقول الشعب كلمته الأخيرة فيه، في استفتاء شعبي
عام.
لقد واجه المشرعون العراقيون، تحديات (الاحتلال) والإرهاب وابتزاز بعض أيتام النظام
الشمولي البائد، الذين تصوروا بأن الدستور لا يمكن تمريره من دون بصمتهم، فلماذا
لا يبتزون إذن؟ ولذلك لم نسمع منهم طوال المدة، رأيا أو اقتراحا يضيف شيئا إلى
ما هو موجود على طاولة المفاوضات، وإنما كماً هائلاً من الشعارات والمعرقلات التي
انتهت بهم إلى لا شئ، بالرغم من أنهم تطفلوا على العملية الدستورية من دون تفويض
حتى من الشريحة التي يدعون تمثيلها، ساعين حتى آخر لحظة، إلى الإمساك بالعصا من
الوسط، متأرجحين بين الحنين إلى الماضي والخوف من العراق الجديد، يحدوهم، في ذلك،
الإصغاء إلى صوت الإرهابيين الذي ظل يدوي طوال الوقت، ولكونهم لا يتحلون بالشجاعة
الكافية، لقول حقيقة ما يجول في أنفسهم، راحوا يتلفعون بشعارات (وطنية) أبدت حرصا
منقطع النظير على وحدة العراق، وكأن الباقين يريدون تجزئته، أو يتربصون بها.
لقد أخذ هؤلاء على المسودة، مثلا، ذكرها تجارب الماضي المرير، ناسين أن ذلك من
حق الضحايا، من أجل أن لا تتكرر من جديد {كما هو حال دساتير الشعوب التي مرت بتجارب
مشابهة لما مر به العراقيون، كاليابان وألمانيا والولايات المتحدة الاميركية وغيرها}
وإن دل ذلك على شيء، فإنما يدل على إصرارهم على تذكير الجميع، بمناسبة ومن دون
مناسبة، بانتمائهم إلى الماضي الأسود.
لقد سعى المشرعون العراقيون، إلى عدم إغفال أية شريحة من شرائح المجتمع العراقي،
في إطار وحدة العراق الذي تتسع خيمته لكل العراقيين من دون استثناء أو تمييز،
فأعطوا لكل ذي حق حقه، من دون غبن أو تجاوز أو إغفال.
ولا زالت الفرصة قائمة، لإدراج ما غاب عنهم من حقوق بعض من يعتقد أنه لم ينصف
في المسودة، لسبب أو لآخر، ليس من بينها بالتأكيد التعمد مع سبق الإصرار.
كما لم ينس المشرعون أن يذكروا الضحايا الذين لولا جودهم بالغالي والنفيس، لما
نعم العراق بمثل هذا اليوم، ليشهد ولادة هذا العقد الاجتماعي الهام، وأقصد به
وثيقة الدستور.
كما أعادوا إلى الأذهان، دور القوى المؤثرة في المجتمع العراقي، التي ساهمت بمواقفها
الحكيمة وآرائها السديدة، في إنجاز المهمة التاريخية، وعلى رأسها المرجعية الدينية،
التي حفظت العراق من الانزلاق في الكثير من المهاوي والمهالك، خاصة منذ سقوط الصنم.
إنه نموذج يحتذى لكل الشعوب المقهورة والمغلوب على أمرها، تلك التي صيغت دساتيرها
من قبل الزعيم الأوحد أو الحزب الواحد، من دون أن يكون لها أي رأي فيه. ففي ظل
الأنظمة الشمولية الاستبدادية، لا أحد يعرف كيف ومتى وأين ومن الذي دون الدستور،
بل، لم يكترث أحد بالسؤال عنه، لأن وجوده وعدمه سيان، فالحاكم هو الدستور وهو
القانون الأعلى وهو القرار، وما الشعب، إلا قطيع يساق بحسب رغبة الحاكم الضرورة
الذي لم تنجب نساء العالم مثله.
ولا نقول إن الدستور العراقي الجديد، كامل متكامل، فهو ليس نصاً سماوياً لا يجوز
الطعن فيه، كما أنه ليس نصا توراتيا لا يحق لأحد أن يعيد النظر فيه كلما ارتأت
أغلبية الشعب ضرورة ذلك، ولهذا السبب نصت إحدى فقرات أحكامه الختامية، على مبدأ
التعديل ضمن الأطر القانونية، ولكن يكفي المشرعين العراقيين، أنهم بذلوا كل طاقاتهم
ولم يوفروا مشورة، أو يألوا جهدا، من أجل التوصل إلى أفضل الصيغ، ولذلك فان المسودة
ولدت كأفضل جهد إنساني يمكن أن يدون في ظل الظروف الصعبة والقاهرة التي يمر بها
العراق، على أمل أن يتطور النص بمرور الزمن. وكلما تحسنت الظروف الأمنية والسياسية،
وبتقادم الزمن بعيدا عن آثار الماضي الأسود الذي مر به العراق والعراقيون.
لقد خيب المشرعون العراقيون ظنون كل الذين راهنوا على تناحرهم، وعلى تغليبهم الانتماءات
العرقية والدينية والمذهبية والسياسية على الانتماء للوطن، ليثبت العراقيون أنهم
أكثر الشعوب احتراما للماضي من دون التغافل عن المستقبل، كما أثبتوا أنهم أوفياء
للتاريخ من دون التوقف عنده، وأنهم حريصون على استحضار الماضي من دون التحجر عليه.
لقد استحضر المشرعون العراقيون، الماضي والحاضر والمستقبل في موازنة قل نظيرها
في تاريخ الشعوب، فلم يفرطوا بتاريخهم وانتماءاتهم، على حساب الحاضر والمستقبل،
كما انهم لم يستغرقوا في استحضار المستقبل على حساب الانتماء إلى التاريخ، ولذلك
خاب من افترى عليهم التخلف والجمود والانكفاء والانطواء، ممن حاول الطعن في عقليتهم
المنفتحة والمتنورة، كما خاب من سعى إلى وصمهم بالانقلاب على ماضيهم وانتماءاتهم
التاريخية، وارتدادهم على ثوابتهم المبدئية، وبكل أشكالها، وبالتنكر لهويتهم وانتماءاتهم.
لقد أكد الدستور العراقي الجديد، مجموعة القيم والمبادئ الإنسانية والحضارية التي
لا تنفك عن الهوية الإسلامية الأصيلة {وليست تلك التي اغتالها الإرهابيون باسم
الدين، أو اختطفها المتحجرون من الآخرين} فأكدت المسودة على:
أولا: وحدة العراق، أرضا وشعبا، وسيادته على خيراته، ولقد ترجمت المسودة هذا الحرص
باعتمادها النظام اللامركزي (الاتحادي) كأنسب أنواع الأنظمة السياسية والإدارية
للعراق، بما يحقق أعلى حالات المشاركة الشعبية في الحكم، وللحؤول دون تكرار تجارب
الأنظمة الشمولية، أو نمو الديكتاتوريات، التي تطغى إذا استأثرت.
ثانيا: هوية العراق الوطنية الأصيلة التي ساهم في بلورتها الإسلام، بقيمه الإنسانية
ومبادئه الخالدة وأسسه وثوابته الراقية وأئمته وعلمائه وفقهائه، والتنوع بكل أشكاله،
وتراث الحضارات التي تعاقبت في هذا البلد.
ثالثا: تقاسم الخيرات والثروات التي وهبها رب العزة لهذا الشعب الأبي، من دون
استئثار منطقة على أخرى، أو شريحة على ثانية، فضمن بذلك حق الأجيال القادمة في
الثروات الطبيعية التي عدها الدستور، ملكا لجميع العراقيين من دون استثناء.
لقد تجاوزت المسودة كل الألغام التي كان قد زرعها قانون إدارة الدولة للمرحلة
الانتقالية، فألغى كل ما يمت بصلة إلى الثالوث المشؤوم (الفيتو والتوافق والمحاصصة)
وبذلك يكون الدستور قد أعاد الاعتبار الفعلي والقانوني، وليس الصوري، لصندوق الاقتراع،
ليعتمد، بالتالي، صوت المواطن العراقي، كميزان وحيد لتحديد اتجاهات الرأي العام
في العراق الجديد، ولبناء مؤسساته الجديدة، على أساس المساواة وتكافؤ الفرص واعتماد
قيم الكفاءة والخبرة والنزاهة، والتداول السلمي للسلطة.
كما أعادت المسودة، المرأة العراقية إلى موقعها الطبيعي في المجتمع وعملية البناء
والمشاركة في الشأن العام، والذي كانت قد أزيحت عنه في ظل النظام الاستبدادي الشمولي
البائد.
وبالرغم من إيماني بأن مواد الدستور هي أفضل ما يمكن أن يدون في الوقت الحالي،
إلا أنني أرى أن من المناسب أن أدلي برأيي فيها، بنظرة عامة شاملة.
شخصيا كنت أتمنى أن لا يستغرق الدستور بكل هذه التفاصيل، لأن الدستور{أي دستور}
فلسفة وليس نصوصاً، إنه روح وليس جملاً تصف تباعا.
كما أن الدستور يلزم أن يحتوي، عادة، على المبادئ العامة من دون الاستغراق في
التفاصيل التي يجب أن تناط بممثلي الشعب (البرلمان) الذين سيأخذون على عاتقهم
تطبيق تلك المبادئ العامة على الواقع المتجدد لكل جيل من الأجيال، اخذين بنظر
الاعتبار الظروف المتجددة التي يمر بها كل جيل، والتي تختلف عادة من جيل إلى آخر.
حتى الإسلام، كدين سماوي منزل من قبل الخالق جل وعلا، لا يحتوي إلا على خمسة أصول
فقط {أو ثلاثة على رأي البعض} أما الفروع والأحكام، فلا تعد ولا تحصى، فأصوله
ثابتة، أما الفروع فإن من حق الفقهاء والعلماء الاجتهاد فيها في إطار تلك الأصول
التي لا يحق للمسلم أن يقلد فيها أحد، كائنا من كان، إذ يلزم الإيمان والاعتقاد
بها عينيا، وعن قناعة ووعي، ولهذا السبب بقي الإسلام حيا طريا يتجدد بتجدد حاجات
الإنسان، لا يضعف أثره بتقادم الزمن وتجدد الأجيال، كما أن هذه الفلسفة هي التي
ظلت تثير عقل الإنسان في إطار الاجتهاد، من أجل التجديد في كل آن ومكان.
وهكذا، كنت أتمنى أن يكون الدستور العراقي الجديد، فيأتي على تدوين الأصول ويترك
الفروع والتفاصيل للنواب أن يجتهدوا فيها، والا، فلو أن الدستور جاء على ذكر كل
التفاصيل، فما الذي نتركه للمشرعين القادمين، إذن ؟ إنه نوع من أنواع التجاوز
على حقوقهم، وسلبهم القدرة على الاجتهاد والتجديد.
كما أن تجارب البشرية أثبتت، بأن الدساتير التي تكتفي بتدوين الأصول العامة، دون
الدخول في التفاصيل، تكون أقرب إلى التطبيق والتنفيذ والاستمرار والتطوير والحيوية،
منها، عن تلك التي تستغرق في التفاصيل، ولذلك، عد الدستور الاميركي، من أطول الدساتير
عمرا من الناحية التطبيقية، لأنه اكتفى بتدوين الأصول فقط، فجاءت نصوصه بست وعشرين
مادة فقط، لأن العبرة ليست في النصوص، وإنما في فلسفتها، ومن ثم في الالتزام بها
وتطبيقها.
إن لكل جيل من الأجيال المتعاقبة خصوصياته وحاجاته، يعبر عنها تحت قبة البرلمان
من قبل النواب المنتخبين، الذين تتجلى مهمتهم ونجاحاتهم في تفسير النصوص الدستورية
(الأصول العامة) وصياغتها كقوانين تلبي الحاجة الآنية لكل جيل، ولذلك فرق علماء
القانون بين معنى الدستور ومعنى القانون.