خالد يونس خالد
باحث وكاتب صحفي عربي مستقل
(ورقة قدمها الكاتب في ندوة عن الديمقراطية والدستور العراقي الدائم نظمها البيت
الثقافي العراقي بالتعاون مع جمعية المرأة العراقية وجمعية تموز في مدينة يوتنبرغ
السويدية بتاريخ 10 سبتمبر/أيلول 2005 ).
نجح الكرد نسبيا في إقرار الحد الأدنى من الحقوق القومية للشعب الكردي في الدستور
العراقي الدائم مع مآخذ عديدة عليها باعتبار أن الدستور الذي تضمن مباديء أساسية
لحقوق الإنسان من الناحية النظرية، تعتبر في الوقت نفسه وثيقة رجعية أعلنت عنها
في أواخر آب/أغسطس من العام الجاري. فلمواد الدستور محاسن ومساويء للكرد، لكن
المساويء أكثر من المحاسن. وعلى أي حال نورد هنا أهم المباديء والبنود المتعلقة
بالشعب الكردي.
حين يقرأ المرء ديباجة الدستور العراقي الدائم يُصاب بنوع من خيبة الأمل، لأن
هذه الديباجة تجعل من نضالات الشعب العراقي فقاعة أمام العقل الديني الذي جعل
من كل الانتصارات العراقية نتاج المراجع الدينية العليا. ففي الوقت الذي نحترم
المراجع الدينية العليا والدنيا احتراما كبيرا فإننا نجعل من الشعب العراقي مصدرا
للسلطات، ولا مرجع ديني شخصي فوق سلطة الشعب، لأن الشعب صانع الدستور، ولأنه أيضا
الوقود الحقيقي للثورة وصانع الانجازات والانتصارات. فلنقرأ معا ما جاء في ديباجة
مسودة الدستور:
“تلبية لنداء وطننا ومواطنينا، واستجابة لدعوة قياداتنا الدينية والوطنية واصرار
مراجعنا العظام وزعمائنا ومصلحينا وقوانا الوطنية وسياسيينا ...”.
هنا يتساءل المرء هل أن القيادات الدينية والمراجع العظام قد منحت الحرية والديمقراطية
للسنة في إيران (الديمقراطية)؟ أين موقع الكرد السنة في كردستان إيران؟ أين موقع
العرب السنة في عربستان؟ أين موقع البلوج والتركمان في إيران (الديمقراطية)؟ متى
كانت القيادات الدينية بهذه العقليات ديمقراطية في بلد من بلدان العالم مع كل
تقديرنا واحترامنا لهذه القيادات. وأنا حين أنقد هذه العقليات فالنقد ليس موجها
ضد الدين الإسلامي لأنه ديننا ونحن نعتز أن ننتمي إليه، ولكنني أميز بين الإسلام
العظيم دينا وعقيدة وممارسة وبين الشيوخ والفقهاء وآيات الله الذين جعلوا من الإسلام
دينا مشرذماً، محرضين على ممارسة العنف ضد كل مَن يقف ضد مؤسستهم. فالإسلام ليس
مؤسسة إنما دين الله الذي قال تعالى عنه: ((اليومَ أكملتُ لكَم دينَكم وأتمَمتُ
عليكُم نِعمَتي ورضيتُ لكُم الإسلامَ دينا)). سورة المائدة، آية 3.
الدستور العراقي الحالي في مواده المطروحة، ومبادئه المقررة يهيء أسلمة السياسة
وتسييس الإسلام، وعدم سن أي قانون يتعارض مع المادة الثانية التي تؤكد في الفقرة
الثانية: “لايجوز سن قانون يتعارض مع ثوابت أحكام الإسلام”. وهذه الفقرة تنسف
الفقرة الأولى من نفس المادة “الإسلام دين الدولة الرسمي، وهو مصدر أساس للتشريع”.
نحن نوافق على اعتبار الإسلام مصدرا من مصادر التشريع، ولكن الفقرة الثانية
تجعل من الفقرة الأولى (المصدر الوحيد) عمليا لأنه لا يجوز سن أي قانون يتعارض
مع ثوابت الإسلام. وأعتقد لا خلاف مع ثوابت الإسلام في الفرائض، ولكن الخلاف مع
تناقضات الفقهاء والأئمة في التفسيرات العدائية لبعضها البعض، مما يدخل العراق،
بفسيفسائه الحالي، في معمعة العداءات المذهبية والطائفية إضافة إلى العداء للتوجهات
العلمانية.
ذكرتُ سابقا أن القاعدة الديمقراطية الأساسية التي أود أن أؤكد عليها هي حقوق
المواطنة؟ وهذه الحقوق التي يحميها الدستور مبدأ أساسي من مبادئه، مقابل مبدأ
آخر هو اعتبار الاسلام مصدراً أساسياً (بدون صيغة التعريف)، وبهذا نصل إلى توازن
وهو حق المواطن أن يختار اللجوء إلى المحاكم الشرعية أو اللجوء إلى المحاكم الوضعية.
فالدستور يحمي هذا الحق للمواطن، ولا تستطيع أية محكمة دستورية أن تسلب من المواطن
هذا الحق. أما إذا أفرغنا الدستور من حقوق المواطنة فقد قضينا على الديمقراطية
من أساسها، ونرجع إلى نقطة الصفر، لأن القضاء على الديمقراطية يعني القضاء على
الحقوق القومية للشعب الكردي أيضا، كما يعني القضاء على حقوق الإنسان العراقي
ككل، مما قد يهدد وحدة العراق وتقسيمه.
الدستور وحقوق الشعب الكردي
أولا: المحاسن:
* المادة (1): “جمهورية العراق دولة مستقلة ذات سيادة، نظام الحكم فيها جمهوري
نيابي (برلماني) ديمقراطي إتحادي”.
هذه المادة تقر بفدرالية وديمقراطية العراق التي كانت مطلبا أساسيا للشعب الكردي
لضمان حقوقه، باعتبار أنه لا يمكن للفدرالية أن تعيش إلاّ في أجواء الديمقراطية
البرلمانية.
* المادة (3): “العراق بلد متعدد القوميات والاديان والمذاهب، وهو جزء من العالم
الاسلامي، والشعب العربي فيه جزء من الأمة العربية”. وأجري تعديل في هذا البند،
مضافا إليه أن “العراق عضو فعال في جامعة الدول العربية وملتزم بميثاقه”.
كان هذا المطلب أساسياً للشعب الكردي وكان مصدر خلاف مع الأنظمة العراقية المتتابعة
باعتبار أن الشعب الكردي ليس جزءا من الأمة العربية، إنما جزء من الأمة الكردية.
* المادة (4): اللغة العربية واللغة الكردية هما اللغتان الرسميتان للعراق، ويضمن
حق العراقيين بتعليم أبنائهم بلغة الأم كالتركمانية والسريانية والأرمنية في المؤسسات
التعليمية الحكومية وفق الضوابط التربوية، أو بأية لغة أخرى في المؤسسات التعليمية
الخاصة”.
* المادة (113): يتكون النظام الإتحادي في جمهورية العراق من عاصمة وأقاليم ومحافظات
لامركزية وإدارات محلية”.
* المادة (114): “أولا: يقر هذا الدستور عند نفاذه أقليم كردستان وسلطاته القائمة
أقليما اتحاديا” (أي فدراليا).
* المادة (118): ثانيا: يحق لسلطة الأقاليم تعديل تطبيق القانون الإتحادي في الأقاليم
في حالة وجود تناقض أو تعارض بين القانون الإتحادي وقانون الأقاليم بخصوص مسألة
لا تدخل في الاختصاصات الحصرية للسلطة الإتحادية”.
وورد في النقطة الرابعة من هذه المادة: تؤسس مكاتب للأقاليم والمحافظات في السفارات
والبعثات الدبلوماسية لمتابعة الشؤون الثقافية والاجتماعية والانمائية.
وفي النقطة الخامسة: تختص حكومة الأقاليم بكل ما تتطلبه إدارة الأقليم، وبوجه
خاص إنشاء وتنظيم قوى الأمن الداخلي للأقليم كالشرطة والأمن وحرس الأقليم.
ثانيا: المآخذ والمساويء:
* تجاهل الدستور حق تقرير المصير للشعب الكردي ضمن اتحاد اختياري عراقي موحد.
* لم ترد كلمة (الكرد) كشعب أو أمة إنما أُستُخدم مصطلح الكرد مرة واحدة في الديباجة،
ومرة واحدة مصطلح (الكرد الفيليون). ولم ترد أبدا كلمة (الشعب الكردي أو القومية
الكردية) في الدستور.
* تقول المادة (3) ما يلي: “العراق بلد متعدد القوميات والاديان والمذاهب، وهو
جزء من العالم الاسلامي، والشعب العربي فيه جزء من الأمة العربية”. وأجري تعديل
في هذا البند، مضافا إليه أن “العراق عضو فعال في جامعة الدول العربية وملتزم
بميثاقه”. قلنا إن هذه المادة في صالح الشعب الكردي لكن من جانب آخر تجاهلت هذه
المادة أن العراق يتكون من قوميتين رئيسيتين هما القومية العربية والقومية الكردية
إضافة إلى قوميات أساسية أخرى. بينما كانت الفقرة (ب) من المادة الخامسة من الدستور
الاستبدادي لصدام حسين في تموز عام 1970 تقول: “يتكون الشعب العراقي من قوميتين
رئيسيتين هما القومية العربية والقومية الكردية، وحقوق الأقليات كافة ضمن الوحدة
العراقية”.
* ورد مصطلح (إقليم كردستان) في مادتين فقط وهما المادة (4 فقرة 3) حين تطرقت
إلى استعمال اللغتين العربية والكردية في أقليم كردستان، وفي المادة (114). ):
“أولا: يقر هذا الدستور عند نفاذه أقليم كردستان وسلطاته القائمة أقليما اتحاديا”
(أي فدراليا). “ثانيا: يقر هذا الدستور الاقاليم الجديدة التي تؤسس وفقاً لاحكامه”.
وبذلك يصبح أقليم كردستان متمتعا بالحكم اللامركزي الإداري طبقا للمادة (113)
التي تقول: “يتكون النظام الاتحادي في جمهورية العراق من عاصمة واقاليم ومحافظات
لامركزية وادارات محلية”.
* تقول المادة (9)، فقرة (ب) “يحظر تكوين ميليشيات عسكرية خارج اطار القوات المسلحة”.
ولكن لا تشير المادة إلى اعتبار البيشمه ركة قوة وطنية كردية خارج إطار الميليشيات
العسكرية. وبذلك يتجرد الكرد من أية ضمانة عسكرية للدفاع عن حقوقهم في حالة سيطرة
قوة معينة تلغي الامتيازات التي حصل عليها الكرد منذ عام 1992.
* تقول المادة (42) ما يلي: “اولاً: للعراقي حرية التنقل والسفر والسكن داخل
العراق وخارجه”. وهذا يعني أنه يمكن لأي عراقي أن يسكن في مدينة كركوك أو المناطق
المتنازع عليها مما يهدد مستقبل المنطقة سكانيا في حين أن تنقل الكرد إلى مدن
كالنجف أو الكوفة أو كربلاء غير وارد من الناحية العملية لأنه سيكون مهددا بالقتل
باعتبار أن الكردي مسلم سني أو أيزيدي أو يهودي أو مسيحي مستثنيا الكرد الفيليليين
وهم قلة بالمقارنة مع الكرد السنة.
طبيعي يمكن لكل عراقي أن يتنقل بين المدن العراقية كافة، ولكن بالنسبة لمدينة
كركوك يجب تفعيل المادة (58) من قانون الحكم الانتقالي أولا، وتطبيع الأوضاع في
كركوك وإجراء إحصاء سكاني فيها قبل كل هجرة مفتوحة إلى المدينة لكي نتجنب تعريب
المدينة ولكي لا نرجع إلى نقطة البداية في ممارسة السياسيات التعريبية التي كان
يمارسها نظام صدام حسين.
* تؤكد المادة (107) على ما يلي: “تحافظ السلطات الاتحادية على وحدة العراق وسلامته
واستقلاله وسيادته ونظامه الديمقراطي الاتحادي”. وهذه المادة تعطي صلاحيات للقوات
العسكرية العراقية بالزحف على أقليم كردستان بحجة أن الكرد يهددون وحدة العراق.
وفي هذه الحالة لا يملك الكرد أية قوة عسكرية للدفاع عن أنفسهم.
* الدستور يعطي صلاحيات واسعة للمركز طبقا للمادة (108) وتقليص سلطات الأقاليم.
* تؤكد المادة (119) على مبدأ اللامركزية الإدارية وهي تختلف كليا عن مبدأ الفدرالية
الجغرافية أو القومية التي كان الشعب الكردي يطالب بها في إطار أقليم فدرالي.
* تأجيل البت في مصير مدينة كركوك إلى نهاية عام 2007 حسب المادة (136). حيث تقول
المادة ما يلي: “اولا: تتولى السلطة التنفيذية اتخاذ الخطوات اللازمة لاستكمال
تنفيذ متطلبات المادة (58) بكل فقراتها من قانون ادارة الدولة العراقية للمرحلة
الانتقالية بكل فقراتها. ثانيا: المسؤولية الملقاة على السلطة التنفيذية في الحكومة
الانتقالية والمنصوص عليها في المادة (58)من قانون ادارة الدولة العراقية للمرحلة
الانتقالية تمتد وتستمر الى السلطة التنفيذية المنتخبة بموجب هذا الدستور على
ان تنجز كاملة (التطبيع،الاحصاء وتنتهي باستفتاء في كركوك والمناطق الاخرى المتنازع
عليها لتحديد ارادة مواطنيها) في مدة اقصاها 31/ 12/ 2007”.
إذن السياسة الدستورية للأخوة الشيعة في الائتلاف العراقي الموحد الذين إتفقوا
مع الكتلة الكردستانية لا تختلف عن سياسة صدام حسين بتأجيل قضية كركوك حوالي سنتين
ونصف، وقد تؤجل القضية حتى تقوم الساعة أو تتم تصفية القضية الكردية بسلاح الديمقراطية
كما كان الحال في عراق صدام وفي إيران اليوم. فقد يمكن تغيير الدستور الدائم في
حالة انفراد جهة غير ديمقراطية على السلطة، وطرح مسودة دستور جديد تصفي قضية كركوك
بوسائل صدامية أو إيرانية، وتحصل المسودة الجديدة على الأغلبية البسيطة. لأنه
يمكن تغيير الدستور الدائم عن طريق الأغلبية من أبناء الشعب، فالدستور الأمريكي
مثلا تغير أربع عشرة مرة لحد الآن.
* لم يحدد الدستور حدود أقليم كردستان وأهمل هذا الموضوع كليا. وفي حالة تقسيم
العراق، وهذا وارد فيما إذا فشلت السياسة الأمريكية في المنطقة، أو شعرت القوى
العظمى بتهديد مصالحها في حالة أصبح العراق عمقا استراتيجيا لإيران، فيمكن للكرد
أو العرب أن يسيطروا على أكبر بقعة استراتيجية عراقية طبقا للقوة التي يملكها
كل جانب داخليا وأقليميا ودوليا.
وأخيرا فالصراع على الديمقراطية مقبول لأنه حالة صحية من أجل سلطة الشعب. أما
الصراع في حرب إقتتال الأخوة من أجل السلطة فمرفوض رفضا باتا لأن أي رئيس يفكر
بالسلطة على أجساد أبناء الشعب لا يستحق تلك السلطة، ويجب على الشعب تنحيته بطريقة
ديمقراطية، كما يقول المثل الأنكليزي: “الشعب يحمي ديمقراطيته”، فيمكن لكل قوة
غادرة مداهمة الديمقراطية ولكن يستحيل قهرها.