المبادرة الشبابية الدستورية في العراق: نتائج المرحلة الأولى

أحمد شمس علي
مدير مشروع المبادرة الشبابية الدستورية

بدعم من الوقف الوطني الديمقراطي الاميركي (NED) بدأت منظمة عراق الغد مشروع المبادرة الشبابية الدستورية في شهر يوليو تموز الماضي. يستند المشروع الى عقد ندوات تثقيفية وحوارية في عدد من الجامعات العراقية تناقش القضايا المطروحة دستوريا وتثقف الشباب بها من ناحية، وتنسق مقترحاتهم وارائهم حولها من ناحية أخرى. يتكون المشروع من خمس مراحل يعقد في نهاية كل منها مؤتمر عام يخرج بتوصيات يراد لها أن تمثل آراء شباب العراق في الدستور.

ناقشت المرحلة الأولى والتي تزامنت مع مرحلة كتابة مسودة الدستور وانتهت قبل نهايتها، أربعة مواضيع هي الفيدرالية وحقوق الانسان وشكل نظام الحكم وعلاقة الدين بالدولة، حيث عقدت بهذا الشأن ندوات في بغداد والحلة والناصرية شارك فيها شباب جامعيون وغير جامعيين من تلك المناطق. كان أول ما يلاحظ بشكل عام هو التأثر الكبير للحضور بالجانب التثقيفي من الندوة. إذ لوحظ تباين في الرأي بين من يحضرون الندوة من بدايتها وبين من يفوتهم جزء منها. الأمر الذي يؤشر الى وجود فجوة كبيرة في درجة الاطلاع المدني والسياسي لدى الشباب في العراق على الرغم من تلهفهم لتلقي المعلومة ومناقشتها.

وكانت نقاشات الفيدرالية حيوية للغاية وشهدت إقبالا وتفاعلا كبيرين نسيبا. فمصطلح الفيدرالية يعاني أكثر من غيره من المصطلحات في العراق من سوء الفهم والدعاية السلبية بسبب الضخ الإعلامي العربي المرتبط بالفكر القومي والبعثي والإسلامي المتطرف الؤسس على فكرة القائد الواحد المخلص الذي يسيطر على كل شيء. ولهذا مثل شرح مفهوم الفيدرالية للشباب العراقي أهمية تثقيفية خاصة أنضجت من أفكارهم وعملت على تأسيس قرارهم بالتأكيد أو بالرفض على معادلة موضوعية بدلا من ولاءات سياسية أو طائفية أو عرقية. ولوحظ أيضا وجود تباين جغرافي واضح في التأكيد للفيدرالية الذي كان أقل مستوى له في بغداد بينما وصل الى آعلى مستوى له في الناصرية جنوبا.

وتمثل هذه الظاهرة نمطا كلاسيكيا في الصراع بين سكان المركز وسكان المناطق البعيدة عنه من حيث رغبة سكان المركز في الحفاظ على تميزهم وتفوقهم من جهة ورغبة سكان المناطق البعيدة في الإمساك بزمام أمورهم من جهة أخرى.

أما الندوات المتعلقة بحقوق الانسان فقد شهدت تأييدا واسعا لإدراج أكبركم من الحقوق والحريات في مسودة الدستور، إذ فاقت نسبة التأييد لآغلب الحقوق والحريات التي طرحت للنقاش 90%. ولم يستئن هذا التأييد المرتفع مبدأ حرية العقيدة والدين على الرغم من معارضة الفكر الأصولي المعروفة لها. وكان هناك استثناء تعلق بحق ازدواج الجنسية الذي لم يحصل إلا على 53.5%.

وفي الندوات التي ناقشت شكل نظام الحكم انقسمت الآراء بين المؤيدين للنظام البرلماني وبين المؤيدين للنظام الرئاسي. كانت حجة مؤيدي النظام البرلماني كونه يمنع نشوء دكتاتورية منتخبة في العراق مستندين الى ميل السياسيين العراقيين تاريخيا للتفرد بالسلطة والتزمت بالرأي. فكانوا يقولون بأن منح السلطة للبرلمان يمارسها عن طريق رئيس وزراء مختار من قبله يشكل ضمانة ضد الاستبداد والانقلاب على الديمقراطية. أما مؤيدي النظام الرئاسي فكانوا يعيبون على البرلماني عدم تحقيقه لفصل تام بين السلطات حيث تشنق السلطة التنفيذية من السلطة التشريعية. كما عابوا عليه افتقاره الى الشرعية الجماهيريه بيبب عدم انتخاب الحاكم الفعلي للدولة بشكل مباشر. وأجابوا على تحفظات مؤيدي النظام البرلماني بإمكان وضع ضمانات دستورية تكبح أيه نزعة دكتاتورية لدى الرئيس. ولم يحصل النظام المختلط الذي طرح كخيار في المحاضرات على أي تأييد ملموس.

ربما تمثل نتائج ندوات الدين والدولة النقطة الأكثر أهمية في الوقت الحاضر بسبب طبيعة النتائج أولا وبسبب عدم اكتمال تحديد علاقة الدين بالدولة في مسودة الدستور وترحيلها الى مجلس النواب القادم.

ثانيا، أثبتت النتائج التي حصلنا عليها الانتشار الواسع للتوجه الديني في المجتمع العراقي يرافقه شعور عام بجواز (بل وأحيانا وجوب) اختلاط الدين بالسياسة، ولكن من دون تصور واضح لشكل أو آلية هذا الاختلاط.

من الممكن أن يعزي ذلك الى ضعف خطاب الأحزاب الإسلامية الناتج من حالة من الغرور أصابتها بعد ظهور نتائج الانتخابات السابقة أو ربما بسبب عدم تبلور أفكار الكثير من كوادرها أنفسهم حول الموضوع.

في الوقت الذي حصلت فيه نظرية ولاية الفقيه على أقل من 5% من الأصوات كان من الباعث على الأمل توزع باقي الأصوات على نظامين يحملان الديمقراطية كجزء أساسي في داخلهما هما العلمانية (بشرط أن لا تعادي الدين) وولاية الأمة على نفسها مع وجود أغلبية واضحة للنظام الأخير. كما ظهر أثناء النقاش توجس عام من احتمال أقحام المرجعية الدينية في المؤسسات الدستورية. حيث رأت غالبية المشاركين ضرورة أن تمارس القيادات الدينية دورها في السياسة من خلال قدرتها على توعية الجماهير في أجواء حرية وانفتاح وتعدد سياسي وليس عن طريق أعطاء ممثلي السلطات الدينية مناصب حكومية. هذا التوجس كان ينبع حينا من احتمال وقوع العراق تحت تأثير تسلط ديني مشابه للوضع في إيران. وكان ينبع حينا آخر من إمكان أن يؤدي إعطاء السلطة الدينية دورا دستوريا الى تسييس المؤسسة الدينية والإخلال بصفاء وحميمية العلاقة بينها وبين جماهيرها. هذا الأمر سيكون نقطة ساخنة للحوار في مجلس النواب القادم عندما يناقش قانون المحكمة الاتحادية العليا التي ينص الدستور على أن تضم "خبراء في الشريعة الإسلامية". فوفق رأي الشباب العراقي لا ينبغي أن يكون "الخبير في شؤون الشريعة"خريج مدرسة دينية أو حاصلا على درجة الاجتهاد بل ينبغي له أن يكون حاصلا على شهادة أكاديمية تمكنه من ممارسة مسئولياته الدستورية في المحكمة. يلاحظ أن آراء الشباب في العراق هي آكثر ميلا نحو الديمقراطية الحقة مبتعدة عما قد يؤدي الى التسلط والدكتاتورية. كما لاحظنا خلال تفاعلنا معهم وبشكل جلي بأن التطرف أو التعصب الذي قذ يبدر عن أي اتجاه شبابي. هو في واقع الأمر تابع من تثقيف خاطيء أكثر من كونه نابعا من نزعة متطرفة أو متعصبة في نفس الشاب. هذا الأمر يشير الى الأهمية الكبرى لتشجيع وزيادة الوسائل التي تخاطب الشاب وتثقيفه مدنيا وسياسيا. إن التوسع في مشاريع كهذه سيشكل ضمانة كبيرة لمستقبل عراقي ينبذ قيم العنف ويعتنق أساليب التنافس السلمي والحوار المفتوح.